من الصعب أن نجد المعادلة عادلة عندما يُصر البعض إلى يومنا هذا على التمسك بحلم إسقاط الديون، والذي ما هو إلا امتداد لحلم آخر يعرفه أغلبنا، فإن كنا نسأل في السابق.."شيء علوم؟..شيء أخبار؟"، فقد بتنا نسمع اليوم "شيء زيادة رواتب؟.. شيء إسقاط ديون؟".
هذا الوضع ربما يفتح نافذة كبيرة للسؤال: لماذا يتراكم على ظهر العماني الكثير من الديون، امتدادا من الموظف البسيط إلى الموظف الذي يشغل وظيفة جيدة؟ هل يحدث ذلك لأن العماني يمد قدميه أكثر بكثير من طول لحافه، أم لأن اللحاف لا يُلائم استطالة طموحاته أصلا!
تحدثنا سابقا أنّ مسألة إسقاط الديون، بعيدا عن تحققها من عدمه هي فكرة غير عادلة، قد يحصدها الفقير، كما يحصدها من ورط نفسه بالديون لأعراض ترفيهية، وقد يحرم منها الفقير الذي لم يتجرأ على أخذ "السلفة"، كما يُحرم منها من اعتمد على نظام الجمعيات . لذا فلنكن أكثر واقعية .. الأجدر بالبنوك الآن إعادة النظر في سعر الفائدة ، فهي مصيبة المصائب..الفائدة لا تصل لأكثر من 3٪ في بعض الدول المجاورة، بينما تصل في عُمان إلى 8٪، فلماذا كل هذه المغالاة؟ نحن بلد لم يصل تعداده إلى الثلاثة ملايين بعد، إلا أنّ مشكلة الديون تتفاقم، فما عساه حالنا مع ازدياد عدد السكان مستقبلا، في ظل احتمالية نضوب النفط، وفي ظل أن الاقتصاد غير النفطي لا يشكل عائدا كبيرا أيضا!
قد يقول قائل: "ولم تتورطون بالديون، إن لم تكونوا قادرين على سدادها؟"، ويمكننا أن نرد: عندما تضيق الخيارات بالمتزوجين وسط اشتعال أسعار الإيجارات، فمن الأكيد سيفكر الزوجان بشراء بيت أو بنائه، وعندما لا يجد العماني نظام مواصلات متكامل، مريح وآمن ودقيق في مواعيده، فمن الأكيد أنه سيفكر بشراء سيارة، ومن باب أولى-إن كانت له نظرة للمستقبل- أن لا يُدخل أطفاله إلى مدارس ليس همها إلا أن تُحول إجازة الشهر إلى الشهرين، أو تجعل من سحب طارئة، أو رشة مطر فرصة سانحة لإجازة، أو تحشرهم في حافلات تسير وسط صدف» النجاة أو الموت، وعند زيارة مركز تجاري لشراء المؤن الضرورية، فمن الأكيد أننا سنشتري حتى وإن صُعقنا بكهرباء الأسعار.. لذا من الأكيد أنّ راتب الزوج والزوجة لن يصمدا كثيرا أمام هذا الطوفان..
يمكننا التحدث على سبيل المثال عن بنك الإسكان، والذي من المفترض أن لا تكون أهدافه تجارية، لكونه بنكا مدعوما من الدولة، فوزارة المالية تساهم فيه بنسبة 61%، والغرض الأساسي منه هو دعم حركة الإسكان والتعمير، عبر تقديم القروض والتسهيلات. نجد أنّ المادة (8) من المرسوم السلطاني رقم 36/2010، تنص على: " للحكومة أن تقدم للبنك في سبيل تحقيق الأغراض أ، ب من المادة الأولى (1) من هذا النظام قروضا طويلة الأجل بسعر عائد يقل عن سعر العائد التجاري السائد في السوق أو قروضا بدون عائد إذا اقتضت الضرورة ذلك، وتنص المادة (1) على تقديم القروض والتسهيلات المصرفية للأفراد في السلطنة لإقامة المساكن الخاصة أو شرائها أو استكمالها أو التوسع فيها أو صيانتها أو شراء الأراضي بغرض بناء المساكن الخاصة عليها، ويجوز للحكومة أن تضمن البنك في سداد القروض والتسهيلات الائتمانية التي يحصل عليها من الغير أو السندات التي يُصدرها، وذلك كله في حدود 200% من رأس المال المدفوع للبنك. في المادة (9) تحدد الحكومة نسبة القروض التي يُقدمها البنك إلى الأفراد بسعر عائد منخفض، أو بدون عائد، وذلك لتحقيق الأغراض التي ذكرناها سابقا، وتتحمل الحكومة لصالح البنك قيمة العائد بالنسبة لما يُقدمه من قروض بدون عائد أو الفرق بين ذلك السعر وسعر العائد المنخفض.
وكما نرى فالمرسوم يتضمن مواد تصب في صالح المواطن، ولكن للأسف الشديد لا يتحقق ذلك على أرض الواقع، بالشكل الذي يريح المواطن..
قديما كان بنك الإسكان يُعطي قروضا بفائدة صفر بالمائة، وفائدة 1%، و2%، والآن لم تعد هذه النسب الصغيرة موجودة، بل باتت الفائدة تصل إلى 8% لأصحاب الرواتب التي تزيد على 600 ريال، كما أنّ الفائدة تبقى كما هي، ولا تتقلص بمرور السنين، مما يجعل العماني يفر إلى البنوك التجارية، ويجد أنّ عروضها أكثر رحمة..
